أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
32
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أن « هدى » بمعنى : اهتدى . والثاني : أنه متعد ، ومفعوله محذوف كما تقدم تحريره ، وقد تقدم قول الكسائي والفراء في ذلك ، ورد المبرد عليهما ، قال ابن عطية : « والذي أقول : قوله حمزة والكسائي يحتمل أن يكون المعنى : أم من لا يهدي أحدا إلّا أن يهدى ذلك الأحد بهداية اللّه ، وأما على غيرها من القراءات التي مقتضاها : أمّن لا يهدي إلّا أن يهدى فيتجه المعنى على ما تقدم » . ثم قال : وقيل : تم الكلام عند قوله : « أَمَّنْ لا يَهِدِّي » أي : « لا يهدي غيره » . ثم قال : « إِلَّا أَنْ يُهْدى » استثناء منقطع ، أي : لكنه يحتاج إلى أن يهدى كما تقول : فلان لا يسمع غيره ، إلا أن يسمع ، أي : « لكنه يحتاج إلى أن يسمع » . ويجوز أن يكون استثناء متصلا ، لأنه إذ ذاك يكون فيهم قابلية الهداية ، بخلاف الأصنام . ويجوز أن يكون استثناء من عام المفعول له أي : لا يهدى لشيء من الأشياء إلّا لأجل أن يهدى بغيره . وقوله : فَما لَكُمْ مبتدأ وخبر ومعنى الاستفهام هنا الإنكار والتعجب أن : أي شيء لكم في اتخاذ هؤلاء إذا كانوا عاجزين عن هداية أنفسهم ، فكيف يمكن أن يهدوا غيرهم . وقد تقدم أن بعض النحويين نصّ على أن مثل هذا التركيب لا يتم إلا بحال بعده ، نحو : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ « 1 » - وَما لَنا لا نُؤْمِنُ « 2 » إلى غير ذلك ، وهنا لا يمكن أن نقدر الجملة بعد هذا التركيب حالا ، لأنها استفهامية والاستفهامية لا تقع حالا . وقوله : « كَيْفَ تَحْكُمُونَ » استفهام آخر ، أي : كيف تحكمون بالباطل وتجعلون للّه أندادا وشركاء . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 36 إلى 41 ] وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ( 36 ) وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 37 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 39 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ( 40 ) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 41 ) قوله : لا يُغْنِي . خبر « إِنَّ » و « شَيْئاً » منصوب على المصدر أي : شيئا من الإغناء ، و « مِنَ الْحَقِّ » نصب على الحال من « شَيْئاً » ، لأنه في الأصل صفة له ، ويجوز أن تكون « مِنَ » بمعنى بدل أي : لا يغني بدل الحق . وقرأ الجمهور « يَفْعَلُونَ » على الغيبة ، وقرأ عبد اللّه « تفعلون » وهو التفات بليغ . قوله : أَنْ يُفْتَرى . فيه وجهان :
--> ( 1 ) سورة المدثر ، آية : ( 49 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية : ( 84 ) .